فخر الدين الرازي

65

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

حشرتهم السنة ، وقرئ حشرت بالتشديد . السادس : قوله تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 6 ] وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ ( 6 ) قرئ بالتخفيف والتشديد ، وفيه وجوه : أحدها : أن أصل الكلمة من سجرت التنور إذا أوقدتها ، والشيء إذا وقد فيه نشف ما فيه من الرطوبة ، فحينئذ لا يبقى في البحار شيء من المياه البتة ، ثم إن الجبال قد سيرت على ما قال : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ [ النبأ : 20 ] وحينئذ تصير البحار والأرض شيئا واحدا في غاية الحرارة والإحراق ، ويحتمل أن تكون الأرض لما نشفت مياه البحار ربت فارتفعت فاستوت برءوس الجبال ، ويحتمل أن الجبال لما اندكت وتفرقت أجزاؤها وصارت كالتراب وقع ذلك التراب في أسفل الجبال ، فصار وجه الأرض مستويا مع البحار ، ويصير الكل بحرا مسجورا وثانيها : أن يكون سُجِّرَتْ بمعنى فُجِّرَتْ وذلك لأن بين البحار حاجزا على ما قال : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ [ الرحمن : 19 ، 20 ] فإذا رفع اللّه ذلك الحاجز فاض البعض في البعض ، وصارت البحار بحرا واحدا ، وهو قول الكلبي : وثالثها : سُجِّرَتْ أوقدت ، قال القفال : وهذا التأويل يحتمل وجوها الأول : أن تكون جهنم في قعور البحار ، فهي الآن غير مسجورة لقيام الدنيا ، فإذا انتهت مدة الدنيا أوصل اللّه تأثير تلك النيران إلى البحار ، فصارت بالكلية مسجورة بسبب ذلك والثاني : أن اللّه تعالى يلقي الشمس والقمر والكواكب في البحار ، فتصير البحار مسجورة بسبب ذلك والثالث : أن يخلق اللّه تعالى بالبحار نيرانا عظيمة حتى تتسخن تلك المياه ، وأقول هذه الوجوه متكلفة لا حاجة إلى شيء منها ، لأن القادر على تخريب الدنيا وإقامة القيامة لا بد وأن يكون قادرا على أن يفعل بالبحار ما شاء من تسخين ، ومن قلب مياهها نيرانا من غير حاجة منه إلى أن يلقى فيها الشمس والقمر ، أو يكون تحتها نار جهنم . واعلم أن هذه العلامات الست يمكن وقوعها في أول زمان تخريب الدنيا ، ويمكن وقوعها أيضا بعد قيام القيامة ، وليس في اللفظ ما يدل على أحد الاحتمالين ، أما الستة الباقية فإنها مختصة بالقيامة . / السابع : قوله تعالى : [ سورة التكوير ( 81 ) : آية 7 ] وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ( 7 ) وفيه وجوه أحدها : قرنت الأرواح بالأجساد وثانيها : قال الحسن : يصيرون فيها ثلاثة أزواج كما قال : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً * فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [ الواقعة : 7 ، 10 ] وثالثها : أنه يضم إلى كل صنف من كان في طبقته من الرجال والنساء ، فيضم المبرز في الطاعات إلى مثله ، والمتوسط إلى مثله وأهل المعصية إلى مثله ، فالتزويج أن يقرن الشيء بمثله ، والمعنى أن يضم كل واحد إلى طبقته في الخير والشر ورابعها : يضم كل رجل إلى من كان يلزمه من ملك وسلطان كما قال احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [ الصافات : 22 ] قيل فزدناهم من الشياطين وخامسها : قال ابن عباس زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين وسادسها : قرن كل امرئ بشيعته اليهودي باليهودي والنصراني بالنصراني ، وقد ورد فيه خبر مرفوع وسابعها : قال الزجاج : قرنت النفوس بأعمالها . واعلم أنك إذا تأملت في الأقوال التي ذكرناها أمكنك أن تزيد عليها ما شئت .